دراسات وتحليل

مجلة أمريكية عن بشار الأسد بعد 10 سنوات من الثورة: لم ينـتصر.. لم يكسب شيئا.. ونجا بشق الأنفس!

مجلة أمريكية عن بشار الأسد بعد 10 سنوات من الثورة: لم ينـتصر.. لم يكسب شيئا.. ونجا بشق الأنفس!

أوطان بوست – وكالات

نشرت مجلة “فورين بوليسي” تقريراً قبل أيام بمناسبة عشر سنوات على الثورة السورية، تحدثت فيه عن عدم تحقيق بشار أسد لأي مكاسب رغم حربه على الشعب السورية، إضافة إلى تدخل إيران وحزب الله في سوريا، وهذا نص المقال:

بعد سنوات من الحرب الدموية، حان الوقت للاعتراف بأن ما يحكمه ديكتاتور سوريا المستبد ليس سوى دولة فاشلة تعاني حالة مزمنة من العنف والفوضى.

“انتصر الأسد”، و”شارفت الحرب على الانتهاء” عبارات أمسى ترديدها شائعا عند مناقشة الشأن السوري هذه الأيام. وهو أمر يمكن تفهمه، بعد سيطرة النظام على نحو ثلثي مساحة سوريا.

إذ إنه ومنذ بداية التدخل العسكري الروسي في سوريا في سبتمبر/أيلول 2015، لم تحقق المعارضة نصراً واحداً يذكر بل خسرت معظم مناطق سيطرتها لحساب النظام.

بينما واجهت الخلافة الإقليمية للدولة الإسلامية في شرق سوريا هزيمتها النهائية في قرية الباغوز في أواخر مارس/آذار 2019.

وانحصر، اليوم، الحديث عن الشأن السوري، إلى حد كبير، بالنقاشات المتعلقة بقضايا عودة اللاجئين، وإعادة الإعمار

وما إذا كانت ستخفف العقوبات المفروضة، إضافة إلى مسألة فتح باب الحوار والانخراط مجدداً في المحادثات مع النظام.

ولطالما رأى المدافعون عن النظام تلك اللحظات على أنها لحظات احتفال بالنصر، وتنفس الصعداء، وتكثيف الدعوات الموجهة للعالم لقبول واقع سوريا الجديد

وإنهاء العقوبات، والمساعدة في إعادة إعمار سوريا وفرض سيادة الدولة على شتى أنحاء البلاد.

في الواقع، لم تكن تلك الدعوات بالأمر الجديد، إلا أنها كسبت، بهدوء،  بعض الزخم بين المراقبين وصناع السياسات المؤثرين. على سبيل المثال

شارك مركز كارتر –المؤسس من قبل جيمي كارتر الرئيس الأمريكي الأسبق- في استضافة اجتماع في أبريل/نيسان في لندن تمت فيه مناقشة قضايا مثل “استعادة السيادة الإقليمية”

و “كيفية سحب القوات المسلحة التي تعمل في سوريا دون موافقة الحكومة في البلاد”.

كذلك شاركت الجمعية البريطانية السورية في استضافة الحدث، وهي جماعة موالية للنظام أسسها والد زوجة الرئيس السوري بشار الأسد، فواز الأخرس الذي نصح الأسد في عام 2012

حول كيفية التصدي للأدلة المتعلقة بتعرض المدنيين للتعذيب. كما أن المدير التنفيذي الحالي للجمعية هو شقيق رئيس ترسانة الأسلحة الكيماوية في سوريا. 

بيد أن مشكلة صغيرة تواجهنا هنا، نظام الأسد لم “يكسب” حقاً أي شيء. بل نجا بشق الأنفس على حساب دماء السوريين وترويعهم؛

بينما يبدو الاستقرار في سوريا حلماً بعيد المنال. وفي الآن ذاته تبقى آخر معاقل المعارضة في شمال غرب سوريا مستعصية على النظام.

كما توجد مؤشرات كثيرة على عدم استقرار المناطق الأخرى من البلاد مستقبلا.

وإن لم تعد سوريا عالقة في حرب أهلية مفتوحة، فإن الأزمة السياسية في البلاد مازالت تتفاقم.

إذ تبقى البواعث الجذرية الكامنة خلف اندلاع الثورة عام 2011 موجودة حتى اللحظة، كما غدا معظمها أسوأ مما كان عليه في السابق.

وحتى في مناطق سيطرة النظام حيث يسكن أكثر شبيحته اندفاعا وحماسة، تمثل الحياة اليوم تحديات هائلة أكبر من تلك التي واجهتهم أثناء أحلك أيام النزاع. 

ولضمان طرح عادل بما يخص سوريا، نحتاج إلى الاعتراف بمدى تدهور الوضع في البلاد –وكيف أن بقاء النظام بحد ذاته يعد تأكيدا على استمرار الفوضى، وعدم الاستقرار، والصراع لسنوات عديدة قادمة. 

إدلب: مواجهة من دون إيران

تقع آخر مناطق سيطرة المعارضة في الشمال الغربي، حيث أصبح نحو 4% من مساحة البلاد موطناً لثلاثة ملايين مدني، نصفهم من النازحين الذين هُجّروا من بيوتهم.

ووفقاً لتقديراتي، يوجد في منطقة إدلب الكبرى هذه ما يقرب من 60 ألف مقاتل مصمم على متابعة النضال ضد النظام وداعميه.

ويدين نصف هؤلاء المقاتلين بالولاء لفصائل من التيار الرئيسي للمعارضة واسعة الطيف، بينما ينتمي النصف الآخر إلى الجماعات الجهادية، التي يدين بعضها بالولاء للقاعدة.  

كانت هذه البقعة الجغرافية الصغيرة من المنطقة، لأشهر طوال، عرضة لهجوم وحشي واسع شنته القوات البرية والجوية الموالية للنظام.

ومهدت حملة عقابية عنيفة، جوية ومدفعية، الطريق لهجمات برية شرسة شنتها أشد الوحدات والنخب ولاءً، بما في ذلك قوات النمر ذات السمعة السيئة، وقوات الحرس الجمهوري، والفرقة الرابعة.

ومع ذلك، وبعد مضي أكثر من عشرة أسابيع على الحملة، لم يتمكن النظام من استعادة سوى ما يقرب من 1% من الأراضي

وذلك بعد أن ضحى بالمئات من جنوده وميليشياته، وعشرات الدبابات والمدرعات، وعدد من الطائرات الحربية.

بينما لقي 400 مدني حتفهم، ونزح 330 ألفاً آخرين. كما غصت المخيمات بالنازحين، وغدت حقول الزيتون ملجأً لجموع هائلة من العائلات التي فرّت من القصف الجوي والمدفعي العشوائي. 

في الحقيقة، ليس هنالك دليل أقوى من الوقائع الأخيرة في إدلب على افتقار النظام إلى القوى البشرية لاستعادة سيطرته وبسط نفوذه على بقية المناطق.

أما الفارق الأساسي هنا، فهو رفض إيران زج ميليشياتها في معركة إدلب، معللة ذلك، منذ اجتماع الأستانا في كازاخستان في فبراير/شباط 2019

بأن الشمال الغربي ليس له أهمية استراتيجية تذكر لمصالحها في سوريا.

ولم تكن أهمية إيران بالنسبة للأسد وروسيا أكثر وضوحاً. مما يثير تساؤلات جدية حول مصداقية أية دعوات لخروج القوات الإيرانية والميليشيات المرتبطة بإيران من سوريا

وهي مسألة واصلت إدارة ترامب طرحها، ربما كشرط مسبق لإجراء محادثات جدية.  

وعلى الرغم من إصرار الأسد على حلمه باستعادة كل شبر من سوريا، إلا أن هذه الرقعة التي لا تزيد مساحتها على 4% تمثل بحد ذاتها تحدياً قد استعصى على النظام وحلفائه.

في الواقع، ظهرت بعض البوادر التي تشير إلى احتمالية تراجع النظام وتقليص انتشار قواته على خطوط المواجهة الأمامية، وذلك بعد الهجوم المفاجئ على ريف اللاذقية في تموز/ يوليو2019.

 وقد نشهد، في حال قررت تركيا مواصلة إمداد وكلائها بالأسلحة الثقيلة، تحول إدلب إلى غزة ثانية، حيث يفرض حصار الأمر الواقع على المنطقة التي تخضع هي ذاتها للجماعات المتطرفة.

الأمر الذي تسعى هيئة تحرير الشام، الفرع السابق لتنظيم القاعدة، إلى الترويج له، بعد اقتراحها بأن يصبح الحكم الفعلي في المنطقة تحت سلطة حكومة الإنقاذ.

إلّا أنّ هذا السيناريو لا يخدم حقاً مصالح أي طرف في المنطقة، فضلا عن المدنيين الذين يصل عددهم إلى 3 ملايين نسمة. 

إذا استمرت حالة العنف والفوضى في المنطقة، سوف تستفيد منها أيضا فصائل أخرى، مثل تنظيم حراس الدين الذي يتبنى نموذج أسامة بن لادن للجهاد الحربي الطليعي.

ومع أن هذه الجماعات تدّعي تركيز اهتمامها على الحرب والقتال في شمال غرب سوريا، إلّا أن مصادر موثوقة أطلعتني أن تلك الجماعات تأخذ محاربة “العدو البعيد” (الغرب) بعين الاعتبار.

كما أخبرتني ثلاث شخصيات إسلامية التقيت مع كل منها على حدة في إدلب منذ منتصف عام 2018، أن مناقشات عامة تجري في اجتماعات غير رسمية لدوائر إسلامية وجهادية

شدد فيها موالون للقاعدة على أهمية استخدام إدلب نقطة انطلاق للقيام بعمليات خارجية. وقيل لي إن مناقشات كهذه لم تتم علنا طيلة سنوات النزاع في سوريا.

إن شعور أنصار القاعدة المتشددين بالثقة الكافية للإعلان عن مناقشات كهذه وبهذا الشكل، يجب أن يشكل مصدر قلق عميق.

بيد أن الحل لمثل هذه التهديدات لا يتمثل بالقصف العشوائي المكثف الذي تشنه قوات الأسد على المدنيين.

لأن ذلك سيؤدي إلى تفاقم التهديد بل ويزيد صعوبة إمكانية تحديده. كما أن حقيقة قيام الولايات المتحدة بشن أول هجوم لها منذ عامين، في 30 حزيران/ يونيو 2018

ضد أحد أهداف تنظيم القاعدة شمال غرب سوريا -على الرغم من الحظر الجوي الذي فرضته روسيا للحد من الوصول إلى المجال الجوي للمنطقة– تؤكد مدى خطورة التهديد الإرهابي المتنامي هناك.

تنظيم الدولة: باق لكن لا يتمدد حتى الآن

على الرغم من أن تنظيم الدولة قد خسر بالفعل قاعدته الإقليمية– التي كانت تعادل في السابق مساحة المملكة المتحدة،

وتضم أجزاء من سوريا والعراق– إلا أن التنظيم استطاع المحافظة على معدل مرتفع ومقلق للعمليات التي يقوم بها في شرق سوريا في الأشهر الأخيرة.

وتظهر تقارير مفتوحة المصدر وقوع أكثر من 370 هجوما في شرق سوريا منذ آذار/ مارس 2019، نُسب معظمها إلى تنظيم الدولة وخلاياه النائمة.

ومع أن الإدارة الأمريكية كانت تُصر على بقاء الولايات المتحدة في سوريا، بالرغم من الإعلان الأولي للرئيس (الأسبق) دونالد ترمب عن نيته الانسحاب الكلي من سوريا في كانون الأول/ ديسمبر 2019، إلا أن الوجود الأمريكي سيتضاءل في سوريا.

وبحسب خطط معلنة، كان قد تقرر الإبقاء على نحو 1000 جندي فقط من القوات الأمريكية ومن ثم تقليص العدد إلى 400 جندي بحلول خريف عام 2020.

وفي الوقت ذاته، وافقت كل من المملكة المتحدة وفرنسا على زيادة هامشية لانتشار قواتهما في سوريا (بما يقرب 10 إلى 15% لكل منهما)

إضافة إلى تعهد بعض دول البلقان والبلطيق بإرسال أعداد صغيرة من الجنود، مما يعني أن إجمالي القوات غير الأمريكية في سوريا يبلغ نحو 600 جندي.

ومع أنه تقرر بقاء أكثر من 400 جندي أمريكي بحلول خريف 2020، إلا أن الخطوات اللازمة لمواجهة تنظيم الدولة لا تزال مبهمة؛

ولم يتضح بعد كيف سيتم تدريب “قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة من قبل الغرب؛ والتصدي لتهديدات سوريا وروسيا وإيران وتركيا؛ وإقناع القبائل العربية المتخوفة بالحفاظ على ولائها لقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد.

والأسوأ من ذلك كله، أن من الصعب تخيّل أن هذا العدد سيكون كافياً لتهدئة شكوك ترامب العميقة فيما يتعلق بهذه المهمة ومتابعتها.

لذا فمن الصعب رؤية الاستراتيجية الحالية للولايات المتحدة في شرق نهر الفرات، المعقل السابق لتنظيم الدولة، على أنها مستدامة.

وفي الآن ذاته، لا تقتصر عمليات تنظيم الدولة على مناطق شرق الفرات وحسب.

بل إن قوته القتالية تبدو أكثر فاعلية غرب النهر، وفي مناطق سيطرة النظام -وهي المناطق التي لم يعطها النظام، من الناحية الأمنية، أية أهمية منذ بدء عملياته في إدلب.

في الحقيقة، وقبيل شن هجوم إدلب، أُطلق سراح كتيبتين كاملتين من ميليشيا أسد حاصرهما مقاتلو تنظيم الدولة لعدة أيام في منطقة البادية الصحراوية.

واستمر التنظيم في ترويع ميليشيا أسد  ووحدات المليشيات الحليفة في مختلف مناطق الصحراء لعدة أسابيع. وعقد بعد حادثة الحصار تلك، اجتماعا طارئا في المنطقة ناقش التهديد الذي يمثله تنظيم الدولة.

وأشارت التقارير، آنذاك، إلى أنه تقرر في الاجتماع التوقف عن مهاجمة الدواعش والاكتفاء بمراقبة واحتواء التنظيم -ما يمثل إدانة دامغة لأولويات الأسد في مكافحة الإرهاب.

بعد رفض إيران وحزب الله دعم النظام في عمليات إدلب، وسع كل منهما نفوذه في المنطقة الصحراوية الوسطى.

بيد أن للعمليات الإيرانية الحربية أهدافاً أخرى غير عسكرية، بما في ذلك نشر تعاليم المذهب الشيعي، وتجنيد الشبان المحليين في الميليشيات الطائفية، وإقامة المؤسسات الدينية والثقافية والجمعيات الخيرية الإيرانية.

وفي مثل هذه المنطقة المحافظة في سوريا، يصعب تجاهل حقيقة أن هذا النوع من الأنشطة الإيرانية، يمثل فرصة محتملة لتنظيم الدولة للرد بتجنيد مضاد.

مصالحة هشة

بالإضافة إلى إدلب، سيطرت المعارضة السورية على ثلاث مناطق: جنوب سوريا وجنوبها الغربي، ومنطقة الغوطة الشرقية بجوار دمشق، وريف حمص.

حيث تم تصنيف هذه المناطق، نظرياً أثناء مباحثات أستانا، كمناطق خفض التصعيد من قبل روسيا وإيران وتركيا في منتصف عام 2017، بهدف الحد من العنف المستشري في شتى أنحاء سوريا.

إلا أن الأحداث على أرض الواقع كانت مغايرة تماماً، فقد كان خفض التصعيد مبادرة روسية خبيثة لسد النقص الذي يعاني منه النظام في القوى البشرية

مما يتيح له استعادة المناطق تحت سيطرته واحدة تلو الأخرى، بدءا بالغوطة الشرقية بين شباط/ فبراير ونيسان/ أبريل من عام 2018، ثم ريف حمص بين نيسان/ أبريل وأيار/ مايو، وأخيرا جنوب سوريا بين حزيران/ يونيو وتموز/ يوليو.

انتهى المطاف في المناطق الثلاث تحت رعاية ما يسمى باتفاقيات المصالحة، حيث أتيحت للسكان فرصة البقاء في مناطقهم، إذا ما تصالحوا مع النظام وخضعوا له.

إضافة إلى ذلك كله، دمجت الجماعات المسلحة التي عقدت الصلح مع النظام في بنى شكلية ضمن الجيش السوري، إلا أنها ستبقى تحت الوصاية الروسية داخل مناطقها المحلية.

وأخيراً، أدت استعادة النظام سيطرته على تلك المناطق إلى زيادة قمع الدولة الوحشي، والتجنيد الإجباري، وتقليص الخدمات

وفي بعض الحالات، حوصر السكان المحليون في شرك عداوات متنافسة بين القوى الأمنية المحلية المدعومة من روسيا وإيران.

على سبيل المثال، تحولت الغوطة الشرقية إلى “ثقب أسود” حاشد بحواجز التفتيش الأمنية، والمعتقلات الروسية السرية، ومنشآت الميليشيات الإيرانية وقواعدها.

ووجد مقاتلو المعارضة، الذين اضطروا للتصالح مع النظام، أنفسهم مضطرين لقتال رفاق الأمس، بما في ذلك في إدلب، حيث قتل العديد منهم في الأسابيع الأخيرة. في الحقيقة، لم تكن هناك مصالحات حقيقية مع الحكومة المركزية، ولكن الجميع أجبر على الخضوع.

ما نجم عن ذلك كله حالة متصاعدة من عدم استقرار، في جنوب سوريا على وجه الخصوص، حيث أعلن مسؤولو أمن النظام عن وجود أزمة

وفقاً لما جاء على لسان أحد المطلعين الذين تحدثوا إلي.

إذ شنت شبكات المقاومة السرية وجماعات المقاتلين التي وقّعت على اتفاقيات المصالحة (والمسجلة شكلياً في قوائم القوات التابعة للنظام) عشرات الهجمات في درعا خلال الأشهر الأخيرة.

على سبيل المثال لا الحصر، هدد زعيم إحدى جماعات المعارضة السابقة في درعا، أدهم الكراد، في 23 حزيران/ يونيو بدعم حملة “عصيان مدني” إذا ما داوم النظام على إقحام مقاتلي المصالحات في الجنوب في القتال في إدلب.

وشهدت العاصمة دمشق، آنذاك، سلسلة من الهجمات والتفجيرات، مثلما حدث في عدة مناطق في محافظة دير الزور، التي يسيطر عليها النظام.

جل هذه الهجمات ترتبط بالجذور الأولى للثورة التي قامت بين عامي 2011 و2012 ضد النظام السوري، مما يؤكد مدى الحماس الثوري الذي لم تخمد جذوته، وإن تقلص على صعيد الحجم والوسائل.

لم يُظهر النظام ولا داعموه الروس أو الإيرانيون، حتى اللحظة، استراتيجية واضحة للتعامل مع بوادر المقاومة المسلحة في المناطق التي يُفترض أنها وقّعت على اتفاقيات المصالحة.

لذلك، إذا ما تفاقم الوضع، سيصعب تخيّل سيناريو آخر سوى الفوضى والمزيد من عدم الاستقرار.

محتلون أجانب وعداوات جيو-سياسية

بينما يقع نحو 62% من سوريا تحت سيطرة النظام، يظل 38% منها خارج سيطرته. إذ تخضع 38% من مساحة البلاد، وبدرجات متفاوتة لسيطرة عدة أطراف سورية فاعلة، تعتمد هي ذاتها على حكومات أجنبية وتعمل تحت راياتها.

تسيطر الولايات المتحدة وحلفاؤها في التحالف الدولي المناهض لتنظيم الدولة على 28% من البلاد في شرق وشمال شرق سوريا، بينما تسيطر تركيا على نحو 10% من سوريا في شمال حلب والشمال الغربي.

وأدى تدخل تركيا والولايات المتحدة في سوريا إلى رسم العديد من خطوط الصراع المحتمل، سواء بين الدول أو بين القوى المدعومة من قبل هذه الدول

كتلك الموجودة بين الأكراد والعرب؛ أو المعارضة وقوات سوريا الديمقراطية؛ أو الولايات المتحدة وإيران وروسيا والنظام السوري وربما تركيا؛ أو النظام ضد كل هؤلاء.

في مرحلة ما بعد تنظيم الدولة الإسلامية، تسعى الأطراف الفاعلة كلها إلى توسيع وتعزيز وترسيخ حصصها داخل سوريا، حيث يعاد رسم خطوط جديدة، لكن احتمال حل بعض التوترات يظل أمراً غير مؤكد الحدوث في أحسن الأحوال.

ويعتبر انسحاب تركيا من مناطق تمركز قواتها أمراً غير مرجح، على الرغم من اضطرارها لمواجهة التمرد الكردي القوي في شمال حلب وعفرين.

بينما سيبقى التموضع الأمريكي داخل سوريا قائما في المستقبل القريب على أقل تقدير. وما زالت بعض محادثات السلام (على سبيل المثال، بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق) متوقفة بشكل مؤقت

في حين جمدت محادثات أخرى (مثل محادثات الولايات المتحدة وتركيا). إذ لم يتحقق تقدم يذكر في أي من هذه المحادثات.

وفي الآن ذاته، اعتبرت إسرائيل الوجود الإيراني بالقرب من حدودها تهديداً، ما دفعها لشن هجمات عديدة على الأراضي السورية.

كما أن تسليم روسيا لأنظمة الدفاع الصاروخي S-300 إلى سوريا، ونشرها في قاعدة مصياف الجوية في شباط/ فبراير 2019، لا يظهر كرادع لعمل إسرائيل العسكري، الذي لا يزال مستمراً حتى اللحظة.

وفي الحقيقة، تعد سلسلة الضربات التي شنتها إسرائيل ضد العديد من الأهداف التابعة لإيران وحزب الله في حمص ودمشق في 30 حزيران / يونيو 2019، أهم العمليات الإسرائيلية في سوريا منذ أيار/ مايو من العام 2018.

كما تزداد احتمالية حدوث تصعيد (غير مقصود) بين إسرائيل وإيران وسط مزاعم تفيد بمهاجمة إيران لناقلات النفط، وإسقاط طائرة أمريكية بدون طيار

وتحريض الميليشيات العراقية على قصف المنشآت الأمريكية في العراق، وتسهيل هجمات معقدة للحوثيين على أهداف سعودية.

وفي حال تصاعد التوتر والأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران، قد تعتبر إيران القوات الأمريكية في سوريا صيداً سهلاً؛ ما قد يزيد من المخاطر ويؤدي إلى نتائج وخيمة ومهلكة.

الاقتصاد والعقوبات وإعادة الإعمار

بعيدًا عن الشؤون العسكرية والأمنية، تبدو سوريا أيضا على حافة هاوية اقتصادية مخيفة خلفتها سنوات من الصراع الدموي، إذ لم يدمر عنف الدولة الوحشي البلاد فحسب بل هدم بنيتها التحتية الحيوية

وأدى إلى شرخ عميق بين الدولة/النظام والوطن/الأمة، وتسبب في حملة دولية فرضت العزلة على البلاد عبر العقوبات.

إضافة إلى ذلك كله، وقعت معظم موارد الطاقة والزراعة في سوريا تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية والتحالف المدعوم من الولايات المتحدة

وهددت العقوبات النفطية، والاعتراضات الدولية، والهجمات التي استهدفت أنابيب النفط البحرية، شحنات النفط الإيرانية التي يعتمد عليها نظام الأسد.

كما سبق وتعرضت دمشق إلى أزمة وقود في نيسان/ أبريل 2019 شلت حركة العاصمة آنذاك، على خلفية توقف وصول شحنات النفط الإيرانية إلى سوريا طيلة خمسة أشهر.

شكل فساد النظام وفشل إدارته المصدر الرئيس للسخط الاقتصادي. فقد تصاعد الإحباط والغضب بشكل ملحوظ داخل حاضنات الأسد الشعبية

وفي المجتمعات المحلية الموالية له في سوريا، حيث شهدت “سوريا ما بعد الحرب” تدهوراً للأوضاع المعيشية عوضاً عن تحسنها.

وبدا أن الناس على استعداد للتخلي عن أشياء معينة مع اشتداد الصراع الأهلي في بلادهم، لكن واقع الحياة المعيشية أصبح لا يطاق بالنسبة للموالين للنظام في الآونة الأخيرة.

ولو أن من غير المرجح أن يشعل ذلك شرارة ثورة ثانية، إلا أنه يمثل معضلات وجودية للنظام وخصوصاً مع افتقاره للموارد وازدياد متطلبات الموالين.

 والأسوأ من ذلك كله بالنسبة لاحتمالات استقرار الوضع في سوريا، الحجم الهائل لتحدي إعادة الإعمار. إذ قدر البنك الدولي عام 2016 التكلفة بنحو 450 مليار دولار

إذا ما انتهى الصراع بحلول عام 2017، أو 780 مليار دولار إذا استمر حتى عام 2021.

وفي حال تساوت سوريا مع أفغانستان في تلقي أعلى نسبة من المساعدات الدولية لإعادة الإعمار، ستستغرق عملية إعادة الإعمار أكثر من 50 عاماً، بحسب تقديرات نشرها موقع قنطرة الألماني.

وذلك على فرض إنفاق على مستوى مرتفع من الكفاءة ومن دون فساد –وهما شرطان يستحيل تحقيقهما في سوريا.

وحتى لو ضمنا تحقيق الشرطين المذكورين آنفاً، يظل حجم التحدي هائلاً. فعلى سبيل المثال، تحتاج سوريا لبناء مليوني منزل سكني إلى استيراد 25 مليون طن من الإسمنت و5 ملايين طن من الحديد كل عام لمدة 10 سنوات

بينما تفتقر إلى المال والبنية التحتية (الطرق والموانئ ومرافق النقل) للقيام بذلك. حيث يحتاج خلط الإسمنت وحده إلى كميات هائلة من المياه.

ونظراً لجرائم الحرب والفظائع منقطعة النظير التي يستمر النظام في ارتكابها منذ عام 2011، ومعارضته المتواصلة لأية جهود لوساطة دولية

لا نجد سبباً واحداً يحملنا على افتراض أن المجتمع الدولي سيخفف من قيوده الاقتصادية على سوريا في أي وقت قريب.

علاوة على ذلك كله، يوفر الركود والدمار واسع النطاق والأزمة الاقتصادية وعدم كفاءة الحكومة وتفاقم الفوضى وعدم الاستقرار، البيئة المناسبة لازدهار أطراف فاعلة خبيثة

وهو أمر يجب افتراضه منذ البداية. أكان ذلك عبر ارتفاع معدلات الجريمة، أو انتشار أمراء الحرب، أو التمرد المحلي، أو الأعمال الإرهابية الأوسع نطاقاً.

فمن المرجح هنا أن يغدو انعدام الأمن والعنف عاقبة رئيسية ومباشرة للوضع الراهن –وهو وضع يتوقف بشكل كبير على القرارات التي تتخذها كل من دمشق وموسكو وطهران، وليس واشنطن.

تبعات سياسية

للولايات المتحدة وحلفائها مصالح في سوريا، سواء اعترفوا بذلك أم لا. ولا تعد الهزيمة الإقليمية لتنظيم الدولة ولا تباطؤ وتطور الصراع الأهلي في سوريا أسباباً كافية لصرف الانتباه أو سحب الاستثمار أو القوات أو الطاقات الدبلوماسية من البلاد.

والواقع أن عدد التهديدات الهائل وحجم التحديات المنبثقة في سوريا، يحتّمان على الولايات المتحدة وحلفائها مضاعفة التزاماتهم أكثر من ذي قبل.

إذ يجب أن يصب التركيز على استغلال النفوذ المؤثر الحالي لتهيئة البيئة الملائمة لمفاوضات هادفة. قد تكون عملية جنيف طريقاً مسدوداً بالفعل

لكن مفهوم التسويات التفاوضية لا تزال تنبئ بنتائج قد تبعث على التفاؤل، ولا ينبغي التخلي عنها.

فمثلاً، استطاعت الاجتماعات بين روسيا والولايات المتحدة في سوتشي ونيويورك والقدس، تمهيد الطريق أمام عملية دبلوماسية مصيرية محتملة.

لا شك أن روسيا تريد، بل وتحتاج إلى إبرام شكل من أشكال التسوية السياسية الكبرى التي تحظى بمباركة الولايات المتحدة.

بيد أن واشنطن لن تمنح ختمها دون مقابل. إذ كانت مطالب إدارة ترامب بخصوص سوريا –خاصة فيما يتعلق بإيران – غير واقعية على الإطلاق، إلا أنها قد تشكل نقطة لبدء المفاوضات مع موسكو.

فليس بالضرورة النظر إلى هذه الاستراتيجية على أنها تصرف طائش، لكنها بالتأكيد ستكون عقيمة، ما لم تتمكن الولايات المتحدة من تقديم المزيد من التفاصيل حول ما تأمل بتحقيقه في سوريا، وما الذي ستسهم به في نهاية المطاف.

منذ إعلان ترامب المفاجئ عن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا في كانون الأول/ ديسمبر من عام 2018

تردد المسؤولون الأمريكيون إلى حد يثير القلق في الإفصاح عن أي تفاصيل تتعلق باستراتيجية الولايات المتحدة في سوريا –خشية الكشف عن الغريزة التبسيطية المخلة المتأصلة في الرئيس.

ولكن أمراً واحداً فقط يبدو واضحاً الآن: إذا ما انسحبت الولايات المتحدة من سوريا في نهاية المطاف وتركتها في مستنقع الفوضى الغارقة فيه اليوم، فإن شبح الفوضى الناجمة سيعود ليطارد الجميع.

وفي المرة القادمة، لن يقدر أحد على فعل شيء حيال ذلك.

المصدر: أورينت

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق