fbpx
رأي

إضاءة سياسية “النظام الجديد”  في سورية الثورة (1) 

إضاءة سياسية “النظام الجديد”  في سورية الثورة (1)

أوطان بوست – رأي – محمد سعيد سلام

تعتبر سورية من أهم المواقع الجيوسياسية في العالم، ونظام الحكم فيها واستقراره يؤثران تأثيرا بالغا في استقرار الوضع الإقليمي والنظام الدولي عموما، وهما إحدى المؤشرات على طبيعة النظام الدولي قوة وضعفا وتوازنا واضطرابا.

فليس صدفة أن يكون الانقلاب العسكري الأول في المنطقة عام 1949 في سورية عقب خروج القوات الفرنسية منها عام 1947 بتدبير من الولايات المتحدة الأميركية وريثة الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية للهيمنة على المنطقة والتحكم بمفاصلها.

ويعد مبدأ ايزنهاور مطلع عام 1957 في ملء الفراغ الذي نتج في المنطقة العربية بعد انسحاب بريطانيا منها أو انحسارها عنها دليلا واضحا على أن القوة العالمية المركزية معنية بتثبيت سطوتها في هذه المنطقة، وقد فوض دوايت ايزنهاور باستعمال القوة العسكرية في الحالات التي يراها ضرورية لتحقيق الاستقرار الإقليمي وتثبيته .

وبحجة هذا الاستقرار صودرت كل المعاني الراقية المرتبطة بالإنسان، وأنهيت قيم سامية ومبادئ عليا فقمعت الحريات ومحيت الكرامة ومورس القهر والإذلال ونشرت كل الموبقات كالفسـ.ـاد القضائي والمالي والإداري والعمراني.

وأنشئت السجون من مدرسة محاكم التفتيش المتـ.ـوحشة حتى إن الإنسان ليتاكد أن هؤلاء السدنة لا ينتمون إلى الخانة البشرية ولا يربطهم بها أية آصرة.

إقرأ أيضاً: دريد الأسد يحذر بشار من تداعيات الخلاف مع بوتين ويسخر من خالد العبود

وأفسد التعليم بكل مراحله لقـ.ـتل الإبداع، وبددت الثروة، وانتهـ.ـكت السيادة بل فرط بها، ثم الويل والثبور لمن يطرح رأيا أو يحاور أو يناقش فكرة أو ينتقد خطة لأن ذلك يهدد الأمن الوطني والاستقرار المحلي! 

وإن الاستقرار الذي تتباهى به العصـ.ـابات الحاكمة على أنه من منجزاتها التاريخية ومفرزات قيادتها الحكيمة ما هو إلا استمرار للنفوذ الأميركي وهيمنته.

يشهد على ذلك الأسطول الأميركي البحري الخامس الذي يتمركز في منطقة الخليج العربي ومقره في العاصمة البحرينية المنامة، والأسطول الأميركي السادس الذي يجول في البحر الأبيض المتوسط، والأسطول السابع وهو الأكبر الذي يعمل في عدة أماكن منها منطقة الجنوب العربي .

وعند الحديث عن النظام الجديد في سورية الكرامة بعد كنس العصابة الحاكمة المتهاوية، وعند التأسيس له والسير بخطواته الأولى لا بد من معرفة أن النظام القديم منذ قرن من الزمن هو حالة احتلال مقيتة عملت على تخريب البنية المجتمعية وتفكيكها، وتقطـ.ـيع أوصال الجغرافية وتفتيتها، وتشويه حضارة المنطقة وتاريخها، وتدمـ.ـير منظومة القيم، وسـ.ـلب خيرات البلاد ونهبها، فكيف يمكن التفكير بالشراكة مع بعض رموزها أو فئاتها ؟!  

ثم إن هذا المنظومة القديمة كما بقية منظومات المنطقة يقودها رئيس عصابة، وتؤمن بالدعم الخارجي لاستمرارها في الحكم دون إيمانها بشعبها الذي تعتبره ألد أعـ.ـدائها.

إقرأ أيضاً: قيادي سوري يوجه رسالة إلى “فلاديمير بوتين” ويؤكد أن مواجهة الشعوب خاسرة

وتملك حق الوصاية الكاملة على الإنسان والثروة، وتعتبر نفسها هي الدولة والدولة هي ، واية محاولة للاقتراب من سلطتها تستدعي تحركها لإهلاك الحرث والنسل على شاكلة ما فعله ” ملك ملوك أفريقيا ” والعصـ.ـابة الحاكمة القابعة في دمشق، وسواهما لا يختلف عنهما في السوء والإجـ.ـرام والتـ.ـوحش .

واستحقت هذه العصـ.ـابات الحاكمة بهذه الصفات والسلوكيات الدنيئة كل  دعم وتأييد من الأميركي لضمان الهيمنة والنفوذ والاستحواذ .

لكن الربيع العربي والثورة السورية تحديدا وضعت لبنة مهمة جديدة لها أثرها في قواعد العمل السياسي المرتقب محليا وإقليميا ودوليا حينما مزقت شر ممزق نواة المنظومة الوظيفية المستبدة.

فينبغي علينا أن نحافظ على هذه اللبنة وان ندرك قيمتها وألا نتنازل عنها، وألا نسمح بإعادة تأهيل تلك النواة، وألا نشرعن أية منظومة شبيهة بها ، وأن نضمن الاستمرار والمتابعة بناءا على ما تحقق.

وكم روجت الآلة الإعلامية وعلى مدى سنوات وعدة مستويات أن العرب غير قادرين على تفهم معنى الحرية وتقبله في شؤون حياتهم.

ولا يستطيعون الوصول إلى انتخابات حرة وحكومات مدنية، وأن الاستبداد والحديد والنـ.ـار هي الحلول الأنسب والأمثل لهذه المنطقة وشعبها.

إقرأ أيضاً: ماذا يقف بطريق موسكو لتحقيق نصر دبلوماسي في سوريا .. وهل تضغظ على الأسد للحصول على تنازلات ؟

والذي أظهره الربيع العربي لا سيما نسخته السورية أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية هو غير قادر البتة على تفهم أو قبول تمرير الحرية في المنطقة والإقرار بها ؛ ففتحوا السجون في بلدان عدة من العالم وأطلـ.ـقوا العنان لعناصر مخابراتهم تحت مسميات شتى وسهلوا لهم عبور جميع الموانئ البحرية والجوية واجتياز الحدود.

وأصبحت سورية بلدا محتلا من قبل عدة دول وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية للحيلولة دون قيام تجربة جديدة مدنية شعبية بعيدا عن الذهنية العسكرية الاستبدادية.

صحيح أن هذه التجربة لم تملك أدوات تحصين إرادتها الثورية، لكنها تصر بالقوة المجتمعية على إنهاء حقبة الحكم العسكري وتقديم نموذج فريد في المنطقة بأسرها وأن تضرب صفحا عن القبضة الأمنية.

وبين يدي هذا النظام الجديد لم يعد بمقدور الولايات المتحدة الأميركية التحكم بالمنطقة منفردة، والخيار الأنسب لغرورها الامبراطوري المزيد من الحضور العسكري بكل توحـ.ـشه وكوارثه.

ولن يكون هناك أي انسحاب لها إلا أمام أصحاب الأرض الذين يؤمنون بالسيادة ويمتهنون السياسة ويديرون ويشرفون على القوة العسكرية، لقد فات عهد القوة الناعمة والابهار الثقافي والقيمي المناصر خداعا للإنسان وتلبيسا وتدليسا على قضاياه.

إقرأ أيضاً: توافق روسي إيراني تركي للإطــاحة بالأسد .. ووكالة روسية بشار غير قادر على إدارة البلاد

ولم يعد بمقدورها إدارة المنطقة من خلال فئوية ديكتاتورية لأن الشعب استعاد جزءا مهما من ثقته بذاته، وتحرر من أقساط كثيرة من الخوف، ويريد أن يدير شؤونه بنفسه فأنزل به بسبب ذلك كل ألوان العـ.ـذاب والقـ.ـهر على أرضه وخارجها.

فكيف نحافظ على هذه اللبنة التي أقامها الشعب السوري على أنهار ضخمة من الدماء الزكية وبحار عظيمة من الآلام رغم أنف الأميركي وسائر الصغار إقليميا بمن فيهم الروسي للوصول إلى نظام يراعي إنسانية الإنسان ويحافظ على الثروات ويطور الإمكانات والقدرات ؟

هذا ما سوف تشرحه وتجيب عليه الإضاءة القادمة. 

خاص أوطان بوست

 محمد سعيد سلام   12 / 5 / 2020

إضاءة سياسية “النظام الدولي الكوروني” .. محمد سعيد سلام

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *